إسرائيل والاستعداد لما بعد الأسد

 أبدت إسرائيل موقفاً واضحاً ضد الثورات العربية منذ انطلاقتها وضد أهدافها وناصبتها العداء وذلك عبر تصريحات مسؤولين في الحكومة وفي المؤسّسة الأمنيّة وما كتبته وسائل الإعلام وتحليلات المؤسّسة الأكاديميّة ومختصّين في الشؤون العربيّة، وشكّكت في أصالتها وفي قناعاتها وفي الأهداف التي تناضل الثورات العربيّة من أجلها .وعلى الرغم أن الموقف الإسرائيلي من النظام السوري كان موقفا مركبا ومعقداً إلا أن إسرائيل في الوقت نفسه تُعد هذا النظام عدواً مريحاً نسبياً فهو احترم منذ العام 1974 وحتى اليوم اتفاقية وقف اطلاق النار على جبهة الجولان ولم يقم بإطلاق رصاصة واحدة على الرغم من أن إسرائيل شنت العديد من الغارات الجوية التي استهدفت أهدافاً سورية احتفظ فيها النظام بحق الرد، كما أن هذا النظام منع وبنجاعة انطلاق أي أعمال مقاومة من جبهة الجولان .

واليوم يواجه هذا النظام  سلسلة من النكسات العسكرية الدراماتيكية، بدءًا من خسارة إدلب وصولاً الى الهزائم الأخيرة له في باقي أنحاء المحافظة، كما في الجنوب  ما يجعل سيطرة بشار الأسد على البلد مدعاةً للتساؤل، تماماً مثل سيطرة نظامه على ترسانته الكبيرة والقوية من الأسلحة الاستراتيجية.

رغم الوضع الهادئ نسبياً مؤخراً في القلمون، قامت طائرات القوات الجوية الإسرائيلية بتفجير مواقع “حزب الله” والنظام في هذه المنطقة الجبلية الوعرة الواقعة على طول الحدود اللبنانية- السورية. وقال مصدر من “حزب الله  إنّ إسرائيل “استهدفت موقعاً لإطلاق الصواريخ والمدفعية يحتوي على صواريخ متوسطة المدى تُستخدم دورياً لاستهداف حركات المجموعات المسلحة في الجبال”.

 وبحسب ما تناقله الإعلام الثوري، فإن “الضربات الاسرائيلية استهدفت القواعد العسكرية لجيش النظام السوري و”حزب الله” في القلمون”. حيث استهدفت الضربات اللوائين 165 و155 المختصين في السلاح الاستراتيجي، بالإضافة الى قواعد قليلة لـ”حزب الله” في القلمون، لاسيما وأنّ الحزب يحاول نقل سلاح النظام الى البقاع اللبناني”.

 وفقاً للمحلل فيليب سميث، استهدفت إسرائيل في سوريا شحنات كانت متوجهة الى “حزب الله، وهي قناة للأسلحة كانت مفتوحة لسنوات، وتابع: “حالياً، فيما يتعلّق بقوة النظام، هذا الأمر ليس جيداً جدا بالنسبة لهم”، مضيفاً: “توجد اليوم أعداد ضخمة من التقارير التي تقول إن الخلافات بين قوات الدفاع الوطني والجيش السوري بسيطة مقارنةً بالمشاكل الأكبر. فالإيرانيون يستحضرون الكثير من المقاتلين الأجانب الجدد و”حزب الله” يحاول إدارة دفّة القيادة. المشكلة الأكبر في الميدان هي أنّ “حزب الله”، والجيش السوري، وقوات الدفاع الوطني وباقي الميليشيات الشيعية التي يشرف عليها الحرس الثوري الإيراني لا تبلي بلاء حسناً و يتم صد النظام على العديد من الجبهات وهذا الوضع غير مريح”.

 من الواضح أنّ إسرائيل تحاول الحفاظ على ديناميات القوة في المنطقة، خصوصاً إذا كان “حزب الله” يحاول تعزيز قواعده العسكرية في جنوب لبنان. “اليوم، تمتد سوريا النظام  من الناقورة الى اللاذقية. حصلت أكثر من ضربة إسرائيلية: إحدى الضربات وُجّهت الى كتائب “حزب الله” وصواريخه الطويلة المدى، والضربة الأخرى وُجهت الى المجموعات التي كانت تحاول استهداف حدود الجولان. من الجليّ أنّ إسرائيل لا تريد تحويل حدودها الى “صندوق بريد”، سواء الحدود اللبنانية أو الجولان. وبالإضافة الى ذلك، أرادت إسرائيل من خلال الضربة الأخيرة أن تضمن بقاء القتال ضمن الحدود السورية وعدم امتداده الى لبنان”، ويقول في هذا الكاتب السياسي اللبناني، لقمان سليم.

 وفقاً لتقرير لصحيفة “الحياة”، كان المقصود من الضربات الاسرائيلية التحذير من أنّ إسرائيل لا تزال مستعدة للدفاع عن نفسها ضد “حزب الله”. فالجيش الاسرائيلي يعتقد أنّ إيران لا تزال تحاول تقوية “حزب الله” وتزويده بالأسلحة. وجاء في التقرير أيضاً أنّ إسرائيل “لن تسمح بتعزيز القدرات العسكرية أو بنقل أسلحة استراتيجية خطيرة” من سورية.

 وقال فيلييب سميث   إنّ لدى “حزب الله مصالح مستمرة في السيطرة على مخازن النظام ودمجها مع ما لديه. وفيما عدى ذلك، وبعد علمه بما حصل في العراق، حيث حصل داعش على أسلحة متطورة بعد سلبها من الجيش العراقي. أعتقد بأنّ حزب الله سوف يحاول أيضاً منعهم من الحصول على أي أسلحة أخرى، لا سيّما وأن لدى نظام الأسد أكثر انظمة الأسلحة تطوراً”.

 ومع ذلك فقد أكّد محللون أنّ الثوار يحاولون منع “حزب الله” من السيطرة على أسلحة النظام السوري، وقد لا تكون لديهم القدرة أو التجهيزات اللازمة للقيام بذلك .و يريدون في الوقت ذاته الاستيلاء على أسلحة النظام الأسدي الاستراتيجية، ولكن على خلاف “حزب الله”، فهم لا يستطيعون القيام بذلك في الوقت الحالي.   ومع ذلك، في حال شعروا بأنهم قادرين على ذلك، لن يفوّتوا الفرصة”.

 وتنبّأ الجنرال اللبناني المتقاعد وهبي قاطيشا بأنّ الوضع العسكري المتدهور للنظام السوري سوف تكون له تداعيات على حليفه “حزب الله”، ورأى أن “ضعف النظام السوري سوف يُضعف بالتأكيد “حزب الله”. فحزب الله سوف يدفع الثمن خصوصاً وأنّ الحزب استثمر كافة قدراته لحماية النظام السوري. وفي النهاية، “حزب الله” سوف ينهزم وينسحب”، وهذا ما تؤكده معارك الثوار في القلمون اليوم .

إذا راقبت إسرائيل الساحة السورية على مدار أربعة سنوات  وتعاملت مع سورية الدّولة والنّظام والثورة كعدوّ ،وخشيت من ضمور  قوّة سلطة النظام السوريّ المركزيّة وحدوث تآكل وضعف في قوّته عمومًا، وهو ما قد يؤثّر في قدرة النّظام على الحفاظ على الهدوء في جبهة الجولان. فقد يشكّل ضعف السّلطة المركزيّة وعدم قدرتها على بسط نفوذها على أجزاء واسعة من سورية، نقطة جذب لتنظيمات ومجموعات مسلّحة قد يتّجه جزء منها للعمل ضدّ إسرائيل. الأمر الذي بدأت إسرائيل تستعد له عبر وسائل اعلامها وتُعبأ شارعها لأجله عبر تصريحات محللين وأكاديميين. 

حيث ، أكدت مصادر إسرائيلية أن الجيش الإسرائيلي في ذروة استعداده لضرب “التنظيمات الجهادية” العاملة في سوريا بعد سقوط النظام. وأكد معلق الشؤون العسكرية ألون بن دافيد أن الجيش الإسرائيلي يعمل حاليا على إعداد بنك أهداف خاص بالتنظيمات الجهادية لضربها، على افتراض أن هذه التنظيمات ستوجه سلاحها ضد إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد و أن إسرائيل ستكون مضطرة للتعامل مع التنظيمات الجهادية آجلا أم عاجلا.

  وفي ذات السياق، قال المستشرق البرفسور إيال زيسر  على أن قوى المعارضة السورية أعطت كل المؤشرات التي تؤكد أنها تمثل بديل حكم أفضل من نظام الأسد، حتى لو أن الغرب لا ينظر يعين الارتياح لمعظم الفصائل المقاتلة المنضوية تحت إطار هذه القوى. وأشار زيسير إلى أن الانجازات العسكرية المتتالية التي حققتها المعارضة المسلحة في الجنوب والشمال زادت من الضغط على الساحل، الذي يقطن فيه معظم العلويين. وأضاف زيسير إلى أن ما يمكن أن يؤخر نهاية نظام الأسد هو أن تقف الإدارة الأمريكية بشكل واضح وجلي إلى جانبه وتمده بالسلاح والعتاد وتعمل بشكل مباشر ضد كل القوى التي تقاتله.

كما كتب رون بن يشاي في صحيفة يديعوت أحرنوت أنه في الأيام الأخيرة بدأ ظهور بوادر لانهيار نظام بشار الأسد ، فبعد أن توقع محللون استمرار النظام وتحول الحرب لتكون باتجاه تنظيم الدولة الإسلامية إلا أن عجلة الأحداث دارت ومعها تغيرت أوضاع النظام العلوي وهذا ما يُحتم على إسرائيل الدولة والسكان التحرك للحفاظ على أمنها واستقرارها بحيث تبقى الحرب خارج حدودها ، أو تتوقف عند حدودها إن سقط الأسد.

وهذا ما يُفسر سعي إسرائيل إعداد بنك أهداف لضرباتها في سورية بناء على معلومات استخباراتها لاستهداف فصائل المعارضة التي لاتنظر إليها بعين الإرتياح بعد أن استنزفت النظام الأسدي وميليشيا حزب الله وايران.

17 شعبان 1436 الموافق 4 حزيران 2015 م

والله غالب على أمره

اترك تعليقاً

scroll to top