بقلم العقيد : يحيى فرزات

رئيس المجلس الاستشاري في حركة تحرير الوطن

في غمرة الصراع الدائر بين الشعب السوري الثائر و جلاديه من محتلين و مرتزقة ، بين مطامح هذا الشعب في التحرر و الانعتاق و أعداء الحياة و الوطن ، تقف وسائل الاعلام بخيرها و شرها ،كعامل أساسي مؤثر لا يمكن تجاهله أو الاستغناء عنه ، فمنذ انطلاق الثورة السورية في أذار عام 2011 ، اتفقت جميع وسائل الإعلام تلك – الصديقة و المعادية – على أن تكون أحداث الثورة السورية هي المادة الأولى التي تتصدر جميع برامجها ومواضيعها السياسية و العسكرية ، و اختلفت في كيفية التعاطي مع أحداثها اليومية ، وتفاصيلها الآنية ، حيث فرعت الثورة السورية منذ انطلاقها وسائل الأعلام العالمية إلى عدة أقسام – من حيث التعاطي الوجداني مع قضيتها – وفق ما يلي :
– وسائل إعلام مؤيدة للثورة.
– وسائل إعلام معادية للثورة.
– وسائل إعلام محايدة.

أولا : وسائل إعلام مؤيدة للثورة 
تناولت الثورة السورية من منطلق وجداني و أخلاقي ، ملتزمة بذلك بميثاق الشرف الإعلامي الذي يحض على إعطاء الأولوية للمواضيع التي تحمل في ثناياها الدماء و الموت ، فانطلقت في تفاعلها مع الثورة من هذا المبدأ ، بعد أن فرقت ما بين القتلة المجرمين وما بين الضحايا المستضعفين ، و أهم وسائل الإعلام تلك هي : قناة العربية و قناة الجزيرة و قناة أورينت نيوز و قناة الجسر الفضائية و قناة السوري الحر ، و قناة حلب اليوم …

الأخلاقيات المهنية التي اتسمت بها وسائل الأعلام الصديقة :
1- الشفافية و الصدق في نقل الأخبار اليومية للثورة السورية ، وذلك من خلال نشر كادر من المراسلين الميدانيين في جميع المناطق المحررة ، حيث تعتبر – المناطق المحررة – المورد الرئيسي للأخبار التي تنهل منه جميع وسائل الإعلام .
2-فضح و تعرية أكاذيب النظام و حلفائه ، وذلك من خلال أجراء مقابلات ميدانية متلفزة مع الضحايا ، كما حدث عندما أجرت قناة العربية لقاءًا مع أحد ضحايا مجزرة الكيماوي في خان شيخون .
3-تقديم الأخبار المتعلقة بانتصارات الجيش الحر عن سواها من الأخبار الأخرى .
4- فضح المخططات الأيرانية العدائية ، الموجهه ضد الثورة السورية بشكل خاص ، وضد العالم العربي عموما .

ثانيا :وسائل أعلام معادية للثورة :

عمدت إلى تشويه صورة الثورة منذ انطلاقتها ، و قد كان الكذب المفرط و التضليل هو المنهاج الذي تنتهجه تلك الأبواق الإعلامية المعادية ، كما و اتسمت بالسطحية في نقل الخبر حتى عجزت – رغم عملها الدؤوب -عن اقناع حتى جمهورها ، وكانت لا تجرؤ على الخوض في عمق الخبر ، تفاديا من كشف إفكها و تضليلها .
وعلى خلاف وسائل الأعلام الصديقة التي كانت تحمل نفس الهدف و الأسلوب ، فإن وسائل الإعلام المعادية تتفق في الهدف ، الذي هو تشويه صورة الثورة السورية أمام العالم و لكنها تختلف مع بعضها البعض في الأسلوب .

كيف يصنع الخبر في وسائل إعلام العدو:
تستمر مراكز الأبحاث التابعة للعدو ليل نهار للحصول على هفوة أو خطأ ما في يوميات الثورة ، و عند حصولها على مبتغاها ، تنقل ذلك الخطأ إلى مراكز أبحاثها ، حيث يتم تضخيمه و تحويره و من ثم تحويله إلى عنوان عريض من شأنه النيل من سمعة الثورة بطريقة أو بأخرى ، ليُصار إلى بثه لاحقا في وسائل الإعلام ، وقد تتفرع منه عناوين جزئية ، يبدأ المحللون السياسيون ، الموظفون أساسا من قبل تلك المراكز بشرحها و تحليلها ، موجهين حديثهم لجمهورهم تارة ، و للغرب تارة ، و للثورة السورية تارة أخرى ، وسأذكر مثالا على ذلك :
عندما قررت روسيا التدخل العسكري في سوريا ، أواخر شهر أيلول عام 2015م، استبقت ذلك بموجة هائلة من التصريحات الإعلامية لمسؤوليها ، محاولة بذلك صبغ تدخلها العسكري بصبغة محاربة الإرهاب ، بهدف إضفاء الشرعية عليه ، و سأذكر بعض تلك التصريحات على سبيل المثال لا الحصر:
1- رئيس مجلس الدوما الروسي يصرح : “هناك المئات من حاملي الجنسية الروسية ، انضموا إلى داعش في سوريا ، وأن التدخل الروسي ضروري ، للقضاء على هؤلاء و منعهم من العودة و القيام بأعمال إرهاببة في روسيا “، و هذا التصريح موجه للشعب الروسي و أحزاب المعارضة في الداخل.
2- وزير الخارجية لافروف يصرح ،” أين هو الجيش الحر ، لا وجود له ، سنقصف الجميع في سوريا ” هذا التصريح موجه للثورة السورية .
3- مقدمة نشرة الأخبار الجوية في إحدى القنوات الروسية ، تشرح أهمية توقيت التدخل العسكري في شهر أيلول ، وحسب رأيها فإن التوقيت ممتاز ، وأيلول معتدل مناخيا ، فلا هو شديد الحر و لا شديد البرودة ، وهذا يتلائم مع ظروف عمل القاذفات الروسية ، وهذا الكلام موجه للشعب الروسي .
4- الرئيس الروسي بوتين يصرح : “سنبقى ندعم نظام الأسد عسكريا طالما هو في حالة هجوم ” ، و هذا تصريح موجه للمجتمع الدولي و نظام الأسد معا .
وسائل الإعلام التابعة للنظام :
لا نحتاج إلى الاستفاضة كثيرا في الشرح عند الحديث عن وسائل إعلام النظام ، فهي لا تعدو أن تكون – بكل ما تحتويه من برامج

– سوى حلقة من عدة حلقات ، تشكل مجتمعة ما يسمى ” الحرب النفسية ” ، ولكن في الحقيقة أن وسائل الإعلام هي الآلية الأهم التي يتم من خلالها توجيه الخبر السرطاني إلى الهدف ، وذلك بعد طهيه في أقبية المخابرات ، فجميع البرامج الدرامية و السياسية و الاجتماعية ، تتضمن في طياتها رسائل موجهه إلى جهات مختلفة ، فعند مشاهدتنا لأي مشهد تلفزيوني في أي مسلسل درامي سوري ، نستطتيع أن نلاحظ بعد التمعن قليلا بالمشهد ، أنه أما موجها للغرب كرسالة غير مباشرة ، تحمل في سطورها فكرة معينة ،كحماية الأقليات مثلا ، أو أن يكون المشهد بما يحتويه من هبوط أخلاقي موجها لجمهوره بهدف صرف أنظارهم عن حالة الضعف و الوهن التي آلت اليها قوات النظام .
وسائل الإعلام الأيرانية :
يختلف تعاطي وسائل الأعلام الايرانية بما يخص الثورة السورية ، عن تعاطي مثيلاتها التابعة لروسيا و لنظام الأسد ، فوسائل الأعلام الايرانية لا تتناول الثورة السورية على أنها تهديد حيوي للمصالح الايرانية فحسب ، و انما تتعامل معها على أنها جزء من المشروع الفارسي الكبير، التي تعمل أكثر من أربعين محطة تلفزيونية فارسية على الترويج له ، فمن يتابع تلك المحطات التلفزيونية ، يدرك جيدا أن الثورة السورية بالنسبة لها هي مجرد أحداث متعاقبة لا يمكن عزلها عن الأحداث التي تحدث في بقية الدول العربية كالعراق و البحرين و اللبنان و اليمن ، أي أنها تتعامل بشمولية مع العالم العربي بأسره .

ثالثا :وسائل إعلام محايدة :
أو تدعي الحياد ، و تتمثل بوسائل الأعلام الغربية الناطقة بالعربية ، فهي لم تقف مع الثورة موقفا صلبا ، كوسائل الإعلام الصديقة ، و لم تعمل على تشويهها كوسائل إعلام العدو ، بل عمدت إلى مسك العصا من المنتصف في معظم الأحيان ، معللة ذلك استنادها إلى ميثاق الشرف الإعلامي -على حد وصفها – والذي من أهم بنوده وجوب توخي الصدق في نقل الخبر ، فكانت تنهي بث أي خبر متعلق بالثورة السورية بعبارة ” لم يتسنى للقناة التأكد من صحته ” ، فتترك في نفوس الناس شيئا من الإبهام و الشك .
في الحقيقة عندما نسقط الاتجاه السياسي الآني التي تمتهنه تلك المحطات التلفزيونية على المزاج البراغماتي السياسي للدول الداعمة لها ، لحصلنا على نتيجة حتمية و هي : أن الوسيلة الأعلامية الغربية هي مرآة تعكس بنسبة كاملة السياسات التي تحيكها و تنتجها الدولة الداعمة لها ، فهي – الوسيلة الإعلامية – تتقلب بتقلب الدولة الداعمة و تتجه باتجاهها ، و تنعطف بانعطافها ، وليس ما تبثه تلك الوسائل الإعلامية من تناقضات لسياسات دولها ، سوى خدعة صغيرة تهدف من خلالها إلى حرف أنظار الناس عن المهمة الأساسية الموكلة لها .

 

اترك تعليقاً

scroll to top