أخطار بيان مجلس الأمن  

 بعد نحو خمسة أعوام من سيل الدماء السورية الطاهرة على منبر الحرية، تبنى مجلس الأمن الدولي في بيان له وبالإجماع ،وفي سابقة دولية خطة المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا ،الرامية إلى إجراء مفاوضات تفضي إلى حل الصراع الدامي سياسياً من خلال إنشاء مجموعات عمل داخل سوريا. فهل جاء القرار الأممي في صف القاتل أم المقتول !؟.

تستند خطة دي ميستورا كما رُشح عنها إلى إجراءات محادثات مباشرة وبشكل متواز أو متزامن عبر مجموعات عمل مع بداية سبتمبر المقبل ،بين ممثلين عن النظام ومجموعات المعارضة المختلفة وشخصيات مستقلة منتقاة حول أربعة ملفات هي السلامة والحماية، ومكافحة الارهاب، والقضايا السياسية والقانونية، وإعادة الاعمار. وتكون غاية لجنة (السلامة والحماية) أن تصل إلى وضع حد للحصارات المفروضة على المدن والقرى والبلدات السورية الموالية والمعارضة والسماح بدخول المساعدات الطبية والافراج عن المعتقلين والمخطوفين من الجانبين.

وتنظر اللجنة (السياسية) في كيفية إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية وتشكيل الحكومة الانتقالية كاملة الصلاحيات وكيفية تعديل الدستور.. بينما يقتصر عمل لجنة (مكافحة الإرهاب) على وضع آلية من الجانبين لمحاربة الإرهاب والمتمثل اليوم بـ (داعش) وأخواتها على حد وصفهم،وإعلان وقف إطلاق النار من قبل مليشيات النظام والقوات المعارضة. أما اللجنة الرابعة فهي(الإعمار) لما خلفتها الحرب المسعورة من كارثة إنسانية وخدماتية بعدما دمرت مدن وقرى نتيجة قصف قوات النظام لها بشتى أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة. وبحسب البيان، تتمتع هيئة الحكم الانتقالي التي يفترض الوصول إليها بكافة الصلاحيات التنفيذية على ان يتم تشكيلها على قاعدة التوافق المشترك من الجانبين مع ضمان استمرارية المؤسسات الحكومية دون أن يتطرق القرار إلى مصير الأسد، الذي يعتبر السبب الرئيسي في عدم الوصول إلى حل سياسي خلال الأعوام الماضية.

وجاء البيان الأممي بعد ساعات من ارتكاب قوات النظام مجزرة في سوق شعبي بمدينة دوما في ريف دمشق أسفرت عن مقتل أكثر من 110 أشخاص كلهم من المدنيين وإصابة نحو 300 آخرين. وقد اعتبر روبرت كوليفل المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أن القصف المتعمد بحق المدنيين من قبل النظام يرتقي لمستوى جرائم الحرب .. في حين أدانت فانينا مايستراتشي المتحدثة باسم الأمين العام للأمم المتحدة استخدام الأسلحة المتعمد في قصف المدنيين في دوما معتبرة أن أكبر مشكلة يعاني منها سكان الغوطة هو الحصار المفروض من النظام منذ أعوام. وكان مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، ستيفن أوبراين قال من دمشق: إن استهداف المدنيين “عمل غير قانوني، وغير مقبول، ويجب أن يتوقف” مشيراً إلى أنه يشعر بالفزع على نحو خاص من الضربات الجوية التي شنتها قوات الأسد على إحدى ضواحي العاصمة دمشق (دوما) التي يسيطر عليها مسلحون معارضون للنظام .

 وفي سياق متصل اعتبر الائتلاف الوطني أن أي حل سياسي دولي لا يستند إلى مبادئ مؤتمر جنيف 1 الصادر في 30 حزيران/يونيو 2012 وأساسها تشكيل هيئة حكم انتقالية بدون الأسد قبل بدء ما يسمى بمحاربة الإرهاب يعتبر إعادة إنتاج وتسويق للقاتل واستخفافاً بالدم السوري النازف على مقصلة الحرية.

 من جهته اعتبر النظام المجرم القابع فوق شلال الدم السورية بدمشق بفضل مليشيات إيران والعراق وحزب الله ومرتزقة كوريا وأفغانستان وباكستان وسواهم وبدعم روسي أن مكافحة الإرهاب هو البند الوحيد المعني به في هذا البيان الأممي ،أما مسألة الحل السياسي واللجان الأخرى وإنهاء المأساة فهو يحتاج لتفصيلات وتوضيحات بها ،وجاء رده علنا بمجازر قبل أيام في الزبداني ودوما وإدلب. من جهة ثانية جاء الموقف الروسي الإيراني أكثر وضوحاً إذ أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال لقائه نظيره الإيراني في موسكو محمد جواد ظريف الاثنين الفائت أن طرح تنحي الأسد كشرط مسبق هو أمر مرفوض بالنسبة إلى روسيا. وتكمن خطورة تبني البيان الأممي بالإجماع تجاه الصراع في سوريا دون التطرق لمصير الأسد في إلزام الأطراف التي ستقبل الدخول في هذه الخطة من المعارضة الركيكة الضعيفة عديمة التأثير فعلياً على الأرض وخاصة (الائتلاف) بتبعاتها بمعنى أن بقاء الأسد أو رحيله أصبح مرهوناً بمحادثات معروف نتائجها مسبقاً واعتراض أي طرف على نتائجها أو اشتراط الدخول فيها تفرض استبعاده من أي اتفاق وحل مستقبلاً ما سيترتب عنه إعادة تسويق النظام من خلال ممثليه المشاركين وممثلي بقية أصناف المعارضة الوهمية المنبثقة من رحم نظامه بينما يؤدي رفض النظام للقبول به إلى اللجوء إلى القوة لإسقاطه بعدما اتفقت كافة الدول على الحل السياسي بما فيها حليفته روسيا. أما الخطورة الثانية في البيان .. تكمن فيما لو تم تفضيل مكافحة الإرهاب كأولوية على تشكيل هيئة حكم انتقالي بدون الأسد الأمر الذي يفترض وقوف المليشيات المرتزقة المقاتلة إلى جانب النظام وقواته والتي قتلت الشعب السوري ونكلت بأبنائه صفاً واحداً إلى جانب الكتائب المعارضة له في محاربة (داعش) وهو يستحيل تطبيقه متناسياً أن ما ارتكبه ويرتكبه النظام المجرم من مجازر واعتقالات وتهجير قسري منذ أعوام بحق السوريين أكثر إرهاباً من كل توصيفات الإرهاب الدولية وكل أفعاله ترتقي جميعها لجرائم الحرب بشهادات الأمم المتحدة، وأنه لا يمكن القبول بقاتل مأجور لإيران من قبل الشعب المكلوم شريكا في أي حل سياسي وفي أي حلف لمواجهة أي إرهاب مستقبلاً. أما الخطورة الثالثة في البيان الأممي فتكمن في الحفاظ على (المؤسسات الحكومية) تلك المؤسسات التي انشق غالبية أبنائها الأحرار رافضين القتل الممنهج للشعب من قبل نظام الأسد الأمني تلك المؤسسات التي اعتقلت آلاف الأحرار من على رأس عملهم تلك المؤسسات التي أصدرت حكومات النظام قرارات طرد المنشقين عنها لأسباب مختلفة بدون أية تعويضات تلك المؤسسات التي تحولت لفروع أمن ومكاتب مخابرات واستعاضت عن المنشقين بموالين من طائفة النظام ليستمر عملها وتضمن بقاءهم في السلطة لاحقاً تلك المؤسسات التي كانت شريكة في القتل منذ انطلاقة الثورة ولم تعترف حتى الأمس بأن المدنيين قتلوا بقصف طائرات نظامهم في دوما. الحفاظ على المؤسسات الحكومية أيها المعارضة يعني بقاء الأمر كما هو عليه اليوم و حرمان مئات الآلاف من الموظفين المنشقين عن تلك المؤسسات العودة للعمل في حال الاتفاق على حل سياسي وبقاء من تم تعيينهم عوضاً عنهم فيها وإعادة إنتاج النظام لاحقاً بحكم الأمر الواقع وهو ما يخطط له النظام. أما الخطورة الرابعة في البيان الأممي فهي فيما يسمى إعادة الإعمار في ظل وجود النظام الأسدي أو ممثليه، النظام الذي دمر الاقتصاد والزراعة والتجارة والصناعة وباع مئات العقارات لإيران سداداً لديونه ونتيجة لدعمها له في قتل شعبه إعادة الأعمار في بلد دمر أكثر من ثلاثة أرباعه إلا مناطق شبيحته فهل سيقبل أهل تلك المناطق الشركاء في الدم في تحويل عائدات مدنهم لإعادة إعمار ما دمره نظامه هل سيقبلون بأن تعمر سوريا ثم يتم توزيع عادل للثروة؟ هل سيقبل شبيحة النظام ومرتزقته أن يتخلوا عن الأحياء والمدن التي احتلوها في حمص ودمشق وغيرها بعد احتلالها ؟. لم تتوافق القوى الدولية والإقليمية وأعضاء مجلس الأمن على هذا البيان بهذه الصورة إلا بعدما شعرت بانهيار النظام في أي لحظة وما سيترتب عنه من تبعات خطيرة كسيطرة (داعش) على كامل الأرض السورية نتيجة ضعف القوى المعارضة المسلحة وتشتتها وعدم وجود قيادة عسكرية وسياسية موحدة لها لذلك فالأمر الوحيد الذي يمكن أن يقلب الموازين ويعدل كفة المعارضة اليوم ويقبل به الشعب ويفرض رحيل النظام قسراً هو تشكيل هيئة أركان وغرفة عمليات موحدة وفاعلة على الأرض من كافة الكتائب المقاتلة ونقل المعركة وبأسرع وقت إلى قلب حاضنة النظام في المناطق المعروفة في دمشق والساحل وبكل قوة والخروج ولو مرة واحدة بقرار سوري حر خارج عن رؤية الداعمين ومصالحهم.

الصحافي: مصعب السعود

اترك تعليقاً

scroll to top