الإعلام ودوره بالحرب الحديثة – أ.خالد حربا

أ.خالد حربا

مقدمة
من المعروف أن للإعلام دوراً بارزاً منذ القدم خلال المعارك أو التحضير لها. وقد ازداد دور الإعلام حديثاً بعد تطور تقنيات وسائل الإعلام وزيادة أدواتها واتساع قاعدة العاملين عليها وخاصة بعد انفتاح الإعلام العالمي عبر تعدد وسائل التواصل الاجتماعي بشقيه: الموجه والعشوائي.

خاصة بعد استفادة المؤسسات الإعلامية العالمية الضخمة من التطور العلمي في مجال علم النفس والسلوك البشري من الناحية الفيزيولوجية والسلوك المكتسب. مما جعل للإعلام دوراً بارزاً قد يفوق أحيانا الدور العسكري، فقد يحول الإعلام أحياناً الانتصارات لهزائم والهزائم لانتصارات. وذلك بحسب التفوق الإعلامي لكل طرف من أطراف النزاع.

ولبيان أهمية الإعلام في الحروب الحديثة لا بد من التوقف عند بعض العناوين.

أولاً: أدوات الإعلام الحديث

لقد تعددت أدوات الإعلام بالعصر الحديث وتنوعت ونستطيع أن نحدد بعض أدواته بما يلي :
1 وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة كالتلفاز والمذياع والصحف والمجلات الورقية والالكترونية.
2 وسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها
اليتويوب والفيس بوك والووتس آب والتلغرام والتويتر وغيرها من وسائل التواصل.
3 تقنيات الحواسيب والبرمجيات التي تستخدم للتلاعب بالصوتيات والمرئيات والقص واللصق والاقتطاع والتطبيق والتلاعب بطبقات الصوت.
4 الكادر البشري المدرب من الناحية التقنية والاختصاصية بعلم النفس وعلم الاجتماع والسلوك الاجتماعي.
وما يمكن أن يدعمهم من مروجين عبر الجيوش الكترونية أو متفعالين عشوائيين
5 البحوث العلمية في مجال علم الاجتماع والسلوك البشري للمجتمعات المختلفة باعتبار أن تأثير الإعلام يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعتقدات والعادات والتراث الفكري.
فالخطاب الإعلامي الذي ينجح بمجتمع معين قد لا ينجح بمجتمع آخر.

ثانياً وسائل وطرق الإعلام الحديث

إن الإعلام في العصر الحديث ومن خلال تمكنه من استخدام أحدث الأدوات بهذا المجال. فقد تنوعت وسائله وطرقه للتأثير في عقلية ونفوس الشرائح المجتمعية التي يستهدفها. ويمكن أن نورد أهم هذه الوسائل والطرق:

1 التأطير: ويقصد به التركيز على حدث معين وتضخيمه بحيث يطغى على جوهر الحدث ويؤثر في تفاعل المتعاطين معه.
ويهدف هذا الأسلوب لتحقيق عدة جوانب.

الجانب الأول:
صرف الأنظار عن حدث آخر وتركيز الأضواء على الحدث المراد تضخيمه لتقليل تأثير الحدث الأساسي.
ونضرب مثالاً على ذلك.
خلال أحداث الثورة السورية، وعند ارتكاب النظام وأعوانه للمجازر بحق المدنيين واستخدام الأسلحة الكيميائية وغيرها من الأسلحة المحرمة دولياً واستهداف المدارس والمستشفيات والأسواق الشعبية. كان يختلق أزمة بأحد السجون والمعتقلات كسجن حماة وحمص والسويداء وغيرها، لحرف الأنظار عن الحدث الأساسي والتأثير في مدى تفاعل الإعلام معه، ثم ينهي أزمة السجون والمعتقلات المفتعلة بعد تغييب الحدث الأساسي عن الأذهان.

الجانب الثاني:
يهدف الإعلام من خلال التأطير والتركيز على حدث معين وتضخيمه لضرب الروح المعنوية لدى الطرف الآخر من خلال نتائج الحدث فيقوم مثلاً بتضخيم معركة معينة مثل معركة القصير ومعركة حلب وغيرها فيصور صمودها الأسطوري ويضخم المعركة للوصول لحالة معنوية عالية وبأنها أم المعارك.
وعند تحقيق الانتصار المرحلي وهزيمة الطرف الآخر.
يضخم الهزيمة لخلق حالة من الإحباط وانهيار الروح المعنوية عند الطرف الآخر.

الجانب الثالث:
تقزيم بعض الأحداث والتقليل من أهميتها والتشكيك بخلفية وأسباب انتصار الطرف الآخر. كما حدث بالعديد من الانتصارات التي حققتها الثورة.
وأبرز مثال على ذلك معركة تحرير إدلب وما حولها، والتركيز على أن النظام تخلى عنها لعدم أهميتها وأنه قد تم التحضير للتخلي عنها سابقاً بنقل أموال البنوك وغير ذلك وسحب سريع لقواته.

الجانب الرابع:
خلق حالة من الوعي الانقيادي للآخر بأنه قدر محتوم لا يمكن رفضه ومجابهته أو التأثير فيه وتتجسد بسلوك الاستسلام لكل ما يفرض من الآخر.
إن كان ذلك بما يفرض من اتفاقات وتفاهمات تمس كينونتنا. أو عند بداية استحقاقات انتخابية دستورية للترويج لمكونات أو اشخاص بالقول أن نجاحهم محتوم ويحاولون إقناع المتلقي بتعويم أفكار معينة متجاهلين او مقللين من أهمية ما يسقط تلك الأفكار المراد تعويمها.

2 الفكاهة والتندر: من المعروف أن الطرف والفاكهة والتندر سريع الانتشار بين المتلقين ولا تصطدم بحملات إعلامية معاكسة تفشل تأثيرها السلبي. ويستخدم بذلك الأسلوب الصور الكاريكاتيرية والفيديوات والمنشورات الكتابية.ويهدف هذا الأسلوب للتقليل من هيبة قيادات الطرف الآخر ومكوناته فيؤثر ذلك سلباً بمدى ارتباط الموالين لهم ويصبحون عرضة للطعن والتشكيك.

3 الطعن والتشكيك والتخوين: ويهدف هذا الأسلوب للفصل بين القاعدة والقيادة.. من جهة وبين مكونات الطرف الآخر من جهة ثانية من خلال بث الأخبار الكاذبة بمجملها أو التركيز على بعض السقطات وتضخيمها والبناء عليها. وقد يعمدون لأسلوب التحليلات والدراسات لبعض الأشخاص البارزين أو مراكز البحوث لتحقيق هذه الغاية

4 الإشاعة: للإشاعة أهمية كبيرة في العمل الإعلامي ويرتبط نجاحها بعدة جوانب، بداية من الجهة المطلقة للإشاعة ومهنيتها وتعمقها بالشريحة الاجتماعية التي تستهدفها الإشاعة. وانتقالاً لاستغلال حدث ما يؤثر بنجاح الإشاعة بتحقيق أهدافها، وصولاً للتوقيت المناسب لإطلاق الإشاعة
وانتهاء بالتوجه الفكري ونضوج الوعي لدى الشريحة المستهدفة.
فكلما كانت هذه الجوانب مأخوذة بعين الاعتبار كلما حققت الإشاعة أهدافها.
ونضرب مثالاً على ذلك
عند سقوط منطقة معينة واحتلالها من قبل النظام بسبب عدم توازن القوة والتفوق بالسلاح والقصف الهمجي المفرط.
تكثر الإشاعة بمنشورات متنوعة الاسلوب والأهداف.
فتكثر منشورات باعوها ومنشورات اتفاقات سرية سابقة ومنشورات تخوين القادة بالتبعية والتشكيك بثوريتهم

ثالثاً واقع الإعلام الثوري

يمكن توصيف الإعلام الثوري وفق الوقائع والمجريات بالسمات التالية:

1- الاندفاع والحماس الذاتي:
فقد لعب الإعلاميين الثوريين باندفاعهم وحماسهم الذاتي دوراً إيجابياً في كشف جرائم النظام السوري وأعوانه وفضحوا طائفيته وعنصريته وارتكابه المجازر بحق المدنيين والنساء والأطفال وتدمير المنشآت المدنية كالمدارس والمشافي والمخابز والاسواق وغيرها.

2- العفوية وعدم التخصص:
لعبت العفوية وعدم التخصص ودون تجاهل الدور الإيجابي لهم. دوراً سلبياً بمخاطبة الآخر على الصعيدين الداخلي والخارجي.
فساعدوا بذلك النظام بضرب الوحدة الوطنية وانقسام المجتمع لمؤيد ومعارض وجعل حاضنته الشعبية تلتف حول النظام اكثر فأكثر من خلال بعض المنشورات التحريضية الطائفية والقومية أحياناً. وأحياناً كثيرة الترويج لمنشورات عملاء النظام وجيشه الالتكروني بهذا الاتجاه. عن طريق النسخ لصق دون التبصر لمخاطر هذه المنشورات ومن يقف خلفها وأنها تخدم النظام أكثر مما تخدم الثورة

3- التخندق والتبعية الفكرية:
لقد استطاعت بعض الجهات الدولية والمؤسسات الإعلامية والأحزاب والفصائل المسلحة استقطاب قاعدة عريضة من إعلاميي الثورة بطرق واساليب مختلفة إما باستغلال الحاجة المالية والترغيب أو بضم البعض تنظيمياً وربطه بحزب او تيار او فصيل معين. وأحياناً بالتخندق الفكري والتقوقع حول إيديولوجية فكرية معينة. من هنا تعاظم التأثير السلبي للإعلام الثورة فبات مطية لتوجهات ضيقة ابتعدت شيئاً فشيئا عن الفكر الثوري الوطني.

4- عدم وجود مؤسسة إعلامية جامعة: تشكل مرجعية فكرية وقانونية لإعلاميي الثورة تضبط عملهم مما زاد الانفلات الإعلامي وبات يعزز التناقضات في صفوف الثورة بدل أن يشكل رافداً وداعماً لتوحيد الصفوف.

رابعاً المنعكسات الإيجابية والسلبية للإعلام الثوري

لقد لعب الإعلام الثوري دوراً إيجابياً بارزاً في بداية الثورة في نقل الصورة الحقيقية للثورة السورية وتعريف العالم بأهدافها الوطنية المحقة
وأظهر للعالم سلمية الثورة بنقل المظاهرات التي امتدت وشملت كافة المناطق السورية، وأظهر إجرام النظام وآلية تعامله مع المتظاهرين بالقتل والاعتقال ودخول الجيش والأمن المدن والبلدات السورية وارتكاب المجازر بحق الأبرياء المدنيين شباباً وكهولاً ونساء وأطفال. وأظهر طائفيته البغيضة.

لكن ومع مرور الوقت ومع بروز الواقع الإعلامي الذي أشرنا إليه سابقاً. بات الإعلام الثوري يضر بالثورة وبات غالبية الإعلاميين يعززون رؤية النظام لدى متابعي الثورة السورية، من ترسيخ فكرة التطرف الديني بين صفوف الثورة ولدى الطرف الآخر داخلياً وخارجياً. وتعزيز مفهوم الفصائل الإرهابية داخل صفوف الثورة حتى طغى الفكر التطرفي الإرهابي على أغلب الفصائل وأهمها داعش. مما شكل معول هدم لبنيان الثورة وزعزعة أركانها.
ناهيك عن حملات التخوين والتشكيك المستمرة بحق واجهتها السياسية والعسكرية وحتى انها طالت النخب الفكرية أحياناً. والهجوم المبالغ به على الاطراف الدولية جعل العديد من هذه الدول تغير مواقفها تجاه الثورة السورية.

خامساً ما يتوجب القيام به لاستثمار الإعلام بتحقيق أهدافنا الثورية
إن الأضرار التي يلحقها الإعلام غير المنضبط وغير المنظم والمأجور ببعض الأحيان بات داء عضال استفحل انتشاره وفتت الثورة وأنهكها وحرف بوصلتها. والدواء من جنس الداء فيتوجب علينا إصلاح جذري للإعلام الثوري

وفق الإجراءات التالية :
1 بناء مؤسسة إعلامية الكترونية يكون النخب الثورية الواعية نواة لها ووضع ضوابط ونظام عمل لها. وإشراك كافة إعلاميي الثورة بالحملات والخطط الإعلامية لخلق رأي عام يضغط لتحقيق أهداف الثورة.
2 أن تتقيد هذه المؤسسة وكل إعلاميي الثورة بتوجيهات النخب الثورية الواعية وتنفذ برامجها الإعلامية وتدعم حملاتها الإعلامية.
3 وضع قانون إعلامي واضح وشفاف ومتجرد عن أي تبعية إلا الولاء الوطني الثوري يبين كافة الانتهاكات الإعلامية والتجاوزات ويحدد عقوبة كل منها وربط هذا القانون بالسلطة القضائية النافذة بالمحرر والعمل على تطبيقه بحزم وبشكل مستعجل.
4 تشكيل فريق إعلامي مختص بالاختراقات وتحصين حسابات المؤسسة ومتابعة حسابات الإعلاميين الذين ينتهكون القانون الإعلامي ومعرفة شخوصهم الحقيقية.
5 تشكيل فريق قانوني لمتابعة محاكمة الإعلاميين الذي يخرقون القانون الإعلامي لمحاسبتهم أمام القضاء بالداخل.

scroll to top