مقتل سليماني دلالات ومواقف وانعكاساتها على الساحة السورية – بقلم: خالد حربا

أ. خالد حربا

مقدمة:

من الضروري وقبل التوقف عند حدث قتل المجرم قاسم سليماني، التعمق في الأحداث الجارية في الشرق الأوسط بشكل عام وسوريا بشكل خاص. فقد تلاقت مصالح الدول العظمى التي تسعى دائماً لإبقاء الوطن العربي بحالة توتر أمني وعسكري كي تستمر حكوماته بسياستها القمعية داخلياً متذرعة بالمخاطر الخارجية المحيطة.

كما تلاقت تلك الأهداف مع الآمال والطموحات لإيران بإعادة أمجاد الامبراطورية الفارسية والانتقام من العرب حملة رسالة الإسلام للعالم أجمع والذين مرغوا تاج كسرى بالتراب وداسوا سرادق قصوره بحوافر خيولهم.

*من هنا ومع انطلاق الربيع العربي من تونس وانتقال صداه للعديد من الدول العربية. تصاعد نشاط المخابرات للدول العظمى ووضعوا العديد من الاحتمالات للعمل عليها بآن واحد واستخدام الأصلح منها للتحكم بمسار الأحداث. وأُعيد ترتيب التحالفات المعلنة والمخفية حسب تطور الأحداث
كما أعيد جدولة الخلافات بينهم. وتقاسم الأدوار فيما بينهم كي يستطيعوا توجيه الأحداث وفق ما يحقق مصالحهم.

وقد لعبت غالبية الحكومات العربية دوراً بارزاً بهذا المجال من خلال تظاهرها بدعم ثورات الربيع العربي مع اختلاف الأدوار بالتعامل بين ثورة وأخرى.
من هنا يتوجب التوقف عند أهم الأهداف التي تسعى الدول العظمى لتحقيقها وكانت إيران أحد أدواتها.

الأهداف التي تسعى الدول العظمى لتحقيقها:

أولاً:
تلقين الشعوب العربية درساً قاسياً لمحاولتها فرض قرارها وتغيير حكوماتها التي عمل النظام العالمي سنوات عديدة لتعزيز وجودها وبقائها تحت سيطرته تنفذ سياساته من خلال التغاضي عن المجازر المرتكبة ضدد المدنيين والاعتقالات والتهجير واستغلال المعاناة الإنسانية بشكل سيء يحقق أهدافهم بتوجيه مسار الثورات ومشاركة علنية لبعض هذه الدول بالقتل والتدمير.

ثانياً:
استنزاف موارد الدول العربية وتدمير البنى التحتية لها بكافة المجالات العسكرية والاقتصادية. والخدمية وتفكيك البنية الاجتماعية وإثارة النعرات المذهبية والطائفية والقومية لمنع بناء مجتمع متماسك قادر على النهوض خلال سنوات عديدة.

ثالثاً:
تحول هذه الدول لدول فاشلة مفككة متنازعة داخلياً وغير قادرة على الصمود بوجه مطامع إسرائيل بكافة المجالات أو المطالبة بأراضيها المحتلة، لضمان أمن إسرائيل لعشرات السنين.

رابعاً:
إيصال الشعوب العربية لحالة من اليأس للقبول بأي حلول سياسية تفرض عليهم من الدول العظمى وتأهيل وتلميع قيادة جديدة لا تختلف عن سابقاتها إلا بالأسماء مع بعض التعديلات بالدساتير وانظمة الحكم بما يتوافق وأهدافهم الاستراتيجية.

خامساً:
وضع اليد والسيطرة المباشرة على الثروات الطبيعية والمرافق الحيوية للدول العربية وتقاسمها فيما بينها بحسب قوة كل دولة وهيمنتها.
ومن خلال ما اوردناه من أهداف نجد ان غالبية هذه الأهداف قد تحققت أو تهيأة الأرضية المناسبة لتحقيقها.

من هنا يمكن الوصول لدلالات وخلفية قتل المجرم قاسم سليماني وتوجيه صفعة قوية لإيران قد تخرجها عن طورها وتجعلها تقوم بردات فعل متوقعة من الدول العظمى وقد اتخذت الإجراءات ‘الضرورية للحيولة دون تأثر مصالح تلك الدول.

دلالات قتل سليماني وتوجيه الصفعة لإيران:

أولاً:
رسالة واضحة لإيران بانتهاء دورها المرسوم لها بالمنطقة بعد ان ساهمت وشاركت بتحقيق أهداف الدول العظمى وباختيار سليماني وقتله لإرسال تلك الرسالة لتحقيق هدفين.
*الأول : كسب تعاطف الشعوب العربية التي أوغل سليماني بقتل أبنائها وتهجيرهم وتدمير مدنهم وقراهم
*والثاني : أهمية سليماني لدى الإيرانيين خصوصاً والشيعة العرب بشكل عام.

وأن إيران سوف تضطر للقيام بردات فعل قد تضعها بواجهة أمريكا والتي سيدعمها حكماً العديد من الدول العظمى ودول المحيط العربي..

ثانياً:
إن هذه الرسالة تدل على تقارب أمريكي روسي غير معلن أن الحل السياسي في سوريا وفق رؤيتهم بات ممكناً ومن الضروري تحقيقه قبل انتهاء الدورة الرئاسية( للمجرم بشار الأسد ) وقبل الاستحقاق الدستوري القادم. ومن الضروري البدء بالحل السياسي فوراً لأنه يتطلب تحقيقه على مراحل والتي يجب ان تنتهي قبل حلول الشهر السادس من العام 2021.

ثالثاً:
ضرورة إعادة ترتيب التحالفات والتهدئة بين الأطراف الرئيسة في الصراع مثل أمريكا وروسيا والاتحاد الأوروبي وبطبيعة الحال تركيا وإسرائيل كدولتين جارتين لا يمكن تجاهل مصالحهما، لوضع تفاصيل الاتفاقيات البينية والتفاهمات لتقاسم الكعكة السورية.

رابعاً:
بما يخص الساحة السورية والحل السياسي فيها فسوف يلوح بالافق القريب معالم الحل النهائي للتوليفة الحاكمة وشكل نظام الحكم وقد تمنح إيران بعض المكاسب السياسية حفظاً لماء وجهها ولمنع الانجرار لأعمال عسكرية تضر مصالحهم وتضع معوقات مستقبلية.
أمام استمرار الدور الإيراني لكن بشكل آخر وربما بأماكن أخرى بعيداً عن سوريا وإيران..

خامساً:
إذا استرسلنا بالتحليل والاستقراء فإننا قد نشهد قريباً نقلاً للصراع العسكري المسلح لأماكن أخرى للإبقاء على حالة التوتر بالوطن العربي والإبقاء على حركة تصريف وتجارة السلاح قائمة. إضافة لحاجتهم لنقل المتطرفين ومنظماتهم الإرهابية لمواقع أخرى بعيداً عن سوريا لاستكمال دورهم التخريبي.

المنعكسات المحتملة لمقتل سليماني على الساحة السورية:

أولاً:
سيستمر تحجيم الدور الإيراني وحزب الله. وقد يصل الأمر لإلغاء دورها عسكرياً وأمنياً بشكل كامل وقد يتطور الأمر لإقصاء شخصيات سورية بارزة مرتبطة بإيران أو التخلص منها بطرق مختلفة

ثانياً:
التدخل الأمريكي بشكل اكثر فاعلية وأشد تاثير في المسارين العسكري والسياسي للضغط على روسيا للوصول لتفاهمات ترضي جميع الأطراف المؤثرة.

ثالثاً:
توقف الأعمال العسكرية التي تؤثر في موازين القوى والسيطرة وربما تحصل تغيرات ميدانية لصالح قوى الثورة، للضغط على النظام للقبول بالحلول المتوافق عليها دولياً.  وهذا لا يعني توقف الأعمال العسكرية بشكل مطلق بل ما يعزز منها موقف النظام فقط. وستستمر المناوشات والمعارك غير الفاعلة لإشغال الساحة وعدم ترك مجال للمعارضة الثورية بتقوية مواقعها ورفع سقف مطالبها. ولاستمرار الوضع المأساوي الإنساني لتأطير الفكري الثوري بهذا المجال فقط دون التدبر والتفرغ لتوحيد الساحة والتأثير بالحلول السياسية المطروحة.

رابعاً:
إعادة هيكلة الواجهة السياسية للمعارضة بما ينسجم مع المرحلة الجديدة واشراك شخصيات أكثر قبولاً من القاعدة الثورية وتتماهى مع الحل السياسي المطروح. وبالمقابل طرح شخصيات موالية للنظام لم تشارك بإجرامه لتتشارك مع المعارضة قيادة المرحلة الانتقالية.

ما يتوجب القيام به ثورياً بالمرحلة الراهنة:

أولاً:
استثمار الوضع المترنح للنظام واضطرار الروس لتخفيض مستوى العمليات العسكرية تحت الضغط الامريكي. لشن هجمات عسكرية واسعة تهدف لتحقيق مكاسب ميدانية تدعم الموقف التفاوضي السياسي واستثمار تلك المكاسب سياسياً بالشكل الأمثل.

ثانياً:
العض على الجراح والنجاح بامتحان مرحلة عض الأصابع. ورفع الوعي الوطني الثوري والبحث عن حلول وآليات باتساع الوطن يشارك فيها صنعها غالبية الشرائح الثورية عسكريا وسياسياً ونخباً من المفكرين والاكاديميين بكافة المجالات، لتقديم رؤية كاملة لمستقبل سوريا التي نريد ان تكون عليه

ثالثاً:
تركيز جهود النخب الثورية الواعية على توحيد الطاقات والجهود على مستوى النخب لا يجاد قيادة ثورية موحدة تولد من الحاضنة الثورية وتلتصق بها لإعادة إحياء الحراك الثوري السلمي وتقديم كل الدعم اللازم له مادياً ومواكبته إعلامياً ومنع اختراقه وتجييره لمصالح فئوية خاصة. استعداداً للمرحلة القادمة والتي ستشهد طرح الحل النهائي وتتكشف كل الاقنعة.
كي ننجح بإسقاط الحلول والمشاريع التي لا تخدم قضايانا الوطنية أولاً والثورية بالدرجة الثانية. فلا يمكن التصدي لتلك المشاريع بدون حراك ثوري سلمي واسع داخلياً وخارجياً، وتوظيفه بالشكل الأمثل إعلامياً وسياسياً.

رابعاً:
البحث عن شخصيات وطنية ثورية قادرة على النهوض بسوريا من كافة النواحي السياسية والاقتصادية وتحمل فكراً وطنياً منفتحاً على الجميع.
ودفعها للواجهة والتعريف بها لتلتف حولها القواعد الشعبية من كافة التيارات. بغض النظر عن الشخصيات التي لمعت بالمرحلة السابقة والتي سقطت بمعظمها شعبياً لعدة اعتبارات، لتتمكن من منافسة الشخصيات التي سيدفع بها للواجهة من الدول الموثرة، خلال الاستحقاقات الدستورية الانتخابية، كي نضمن تحقيق اهدافنا الوطنية والثورية وبناء دولة مدنية عصرية متقدمة بكافة المجالات.

أخيراً إذا لم نكن كسوريين وطنيين ثوريين. واعين لخطورة المرحلة وعملنا بشكل متكامل لبناء مؤسساتنا الوطنية سنكون قد فشلنا بالجولة الأخيرة من ثورة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وسيحكم علينا بالموت لعشرات السنين القادمة فالانتصارات تشحذ العزائم والهزائم تولد انكسارات عميقة بالنفوس لأجيال وأجيال.

scroll to top