معركة “نبع السلام”…حقائق وتحليلات

أ. خالد حربا

معركة نبع السلام التي انطلقت بعد ظهر يوم الأربعاء الموافق 9_ 10_ 2019 هي المعركة الثالثة التي يشاك بها الأخوة الأتراك جنباً إلى جنب مع فصائل الجيش السوري الحر في الشمال السوري.

بعد مشاركتها الأولى بمعركة درع الفرات لطرد تنظيم داعش من منطقة امتدت بخط عرض يقارب 90 كم وعمق يقارب 50 كم وتحرير هذه المنطقة وشعبها من التكفيريين المتخفين بالدين الإسلامي والذين يمثلون بحقيقتهم الذراع الأيمن للإيرانيين والعصابة الأسدية. والثانية بمعركة غصن الزيتون والتي أسهمت بتحرير مدينة عفرين وأكثر من 300 قرية تحيط بها من قبضة عصابات PYD وPKK الانفصاليتان.

وكان لهذه المعركة نتائج إيجابية باتصال منطقة درع الفرات جغرافياً مع مناطق ريف حلب الغربي وادلب من ناحية، والحد من التهجير خارج الحدود بسبب القصف العنيف الذي يشنه الأعداء المجرمين الروس والإيرانيين بغطاء ومشاركة من العصابة الحاكمة في سوريا.

ساهمت معركتي درع الفرات وغصن الزيتون بتأمين منطقة آمنة تسمح باحتضان المدنيين الفارين من القصف الهمجي. وكان لهذا التهجير القسري رغم أسبابه الإجرامية وباستثماره بحكمة وطنية ثورية نتائج إيجابية بامتزاج المهجرين من درعا ودمشق وحمص وحماه وإدلب مع سكان المناطق الاصلين مما ساهم بتعزيز وتقوية روابط المحبة والتعايش الأخوي رغم ما اكتنف هذا الامتزاج من بعض المنغصات. لكن أبناء الوطن الواحد تمكنوا من التغلب على تلك المنغصات بانسجام وتعايش ساهما بردم الهوة التي حاولت داعش والاحزاب الانفصالية الكردية صناعتها وتعميقها.

فما الذي يميز معركة نبع السلام عن سابقاتها ومن أين تأتي هذه الميزات وما هو دورها الإيجابي في مسار المعركة؟

هذا ما سنحاول تفصيله باستعراض بعض الحقائق أولاً، وتحليلات مبنية على تلك الحقائق ثانياً، ودورها بحسم المعركة سريعاً بأسرع وقت والتخفيف من الأضرار التي قد تلحق بالبنى التحتية والمدنيين وحتى بصفوف المسلحين المحسوبين على الأحزاب الانفصالية الكردية.

الحقائق التي تميز معركة نبع السلام

1_ بمعركة درع الفرات وغصن الزيتون شارك الأخوة الاتراك بدعم فصائل الجيش الحر بالدعم الجوي والسلاح الثقيل والتخطيط وإدارة المعركة وتوجيهها وبمشاركة رمزية من قواتهم. وكان لفصائل الجيش الحر مشاركة واسعة بقوات الاقتحام بالقادة الميدانيين والعناصر والسلاح المتوسط والخفيف.

أما معركة نبع السلام.

فمنذ اللحظات الأولى للتحضيرات العسكرية واللوجستية وما رافقها من تحضيرات في صفوف الجيش الوطني السوري. وما تلاها خلال اليومين السابقين بداية المعركة يتأكد لنا ولكل متابع أن مشاركة الأخوة الأتراك لم تكن كسابقاتها، بل تجلت باشراك قوات رئيسة فيها كقوات الكوماندوز المدربة تدريباً عالياً والتي تمتلك أحدث التقنيات الحديثة والأسلحة، إضافة لوحدات أخرى. ومشاركة ضخمة من سلاح الجو والأسلحة الثقيلة من راجمات ومدرعات والتي كانت مشاركتها بمستوى أقل بالمعركتين السابقتين.

في حين شكل الجيش الوطني قوة رديفة وداعمة ولم يشارك بهذه المعركة إلا بنسبة لا تتجاوز 25% من عناصره حتى الآن ولم تتجاوز نسبة المشاركة ببعض وحدات الجيش الوطني نسبة 15% بعكس المعركتين السابقتين التي شاركت فيها الفصائل بغالبية عناصرها.

2- إن معركة نبع السلام تقوم على مشاركة بين الاخوة الأتراك والجيش الوطني بعد توحد فصائل الجيش الحر بعكس المعركتين السابقتين اللتين كانت فيهما الفصائل تشارك بشكل منفصل عن بعضها بالمعارك والمشاركة الحالية لها إيجابيتين أساسيتين ناهيك عن الإيجابيات الأخرى التي تأتي بدرجات متفاوتة وبدرجة أقل.

* فتوحد الفصائل ضمن الجيش الوطني سيعزز التنسيق بين وحداته ويضمن حماية ومتانة نقاط الرباط مع العصابة الحاكمة وعصابات PYD وPKK، ومن ناحية ثانية تحدد نسب مشاركة الوحدات بشكل متوازن وأدق ما يمنع أي خلل قد يحدث في جبهات المناطق المحررة بعكس ما يحاول المغرضون تسويقه والترويج له لتأجيج النفوس والتحريض ضد معركة نبع السلام تماشياً مع اجندات الدول الذين يعملون لصالحها.

* ومن ناحية ثانية إن توحد الفصائل تحت قيادة الجيش الوطني يساهم في تنظيم العمل العسكري بمعركة نبع السلام لوجود قيادة مركزية واحدة وغرفة عمليات مركزية مشتركة موحدة.

3- إن الهدوء النسبي للأعمال العسكرية بمناطق غربي حلب وإدلب يساهم بشكل فعال برفع الروح المعنوية للعناصر المشاركين بمعركة نبع السلام لعدم وجود أي خطر يهدد ديارهم وأهليهم.

4- إن المواقف السياسية الدولية المعارضة لهذه المعركة بغالبيتها بشكل عام والذين دعوا لاجتماع عاجل لمجلس الأمن والذي فشل باتخاذ قرار ضد معركة نبع السلام من ناحية، وموقف بعض حكام العرب الذين تأكد عداءهم للثورة السورية من ناحية أخرى والذين دعوا لاجتماع عاجل على مستوى وزراء الخارجية لتدارس (ما أسموه العدوان التركي على “دولة ذات سيادة “).

ساهم بازدياد الالتفاف الشعبي للحاضنة الوطنية الثورية ودعم معركة نبع السلام لتولد قناعة أن ما يرفضه الأعداء سيصب حكماً بمصلحة الثورة السورية. وقد تجلى هذا في بيانات التأييد التي عبرت عن مواقف المكونات الثورية للحاضنة الشعبية.

5- إن معركة نبع السلام والتي سيتم من خلالها تحرير 10 مناطق و140 قرية وبمساحة تقارب 9260 كم مربع والتي تسمح باحتضان ما يقارب 1000000 مهجر وخاصة أبناء المنطقة الذين هجروا على ثلاث مراحل ابتداءً من إجرام العصابة الحاكمة ومروراً بتنكيل وتغول داعش وانتهاء بتعصب الاحزاب الانفصالية ومحاولات القيام بتغيير ديمغرافي في المنطقة.

كذلك إن تحرير هذه المنطقة الواسعة سيعزز الوضع الاقتصادي في المناطق المحررة لوجود آبار النفط من ناحية والمناطق الزراعية الخصبة التي ستساهم بتأمين الأمن الغذائي للمناطق المحررة والثروة الحيوانية التي ستؤمن اكتفاءً ذاتياً.

كل هذا وغيره يعتبر محفز ومشجع لازدياد الالتفاف الشعبي حول هذه المعركة.

6- إن الأحزاب الانفصالية تفتقد للحاضنة الشعبية بهذه المنطقة، بعكس ما كان بمعركة درع الفرات مع داعش التي استطاعت ومن خلال التخفي بالشعارات الإسلامية أن تؤمن بعض الدعم الشعبي ولم يكن للحاضنة الشعبية تأثيراً سلبياً على مجريات المعركة.

وذات الامر كان بالنسبة للأحزاب الانفصالية بمعركة غصن الزيتون والتي تلطت خلف النعرات القومية والآمال التي يتعلق بها بعض من استطاعت استمالتهم لدعمها.

ورغم وجود شريحة واسعة بين أخوتنا الكرد ترفض هذه العقلية وهذا التوجه فقد كان دورهم محدود ومهمش بسبب التهجير والقمع الأمني الذي مارسته الأحزاب الانفصالية.

فمعركة نبع السلام تختلف اختلافاً جذريا عن المعركتين السابقتين بهذا الجانب بسبب وجود شريحة واسعة جداً جداً من العشائر العربية التي حافظت على وجودها هناك، وما قامت به الاحزاب الانفصالية من أعمال إرهابية وقمع امني وتجنيد إجباري في صفوفها وانتهاك للأعراض واستباحة الممتلكات الخاصة وحرق المحاصيل الزراعية من ناحية أخرى.

7- إن غالبية من يسكنون تلك المنطقة متعطشون للخلاص من الاحزاب الانفصالية وتحررهم من قبضتها لان وجودها سبباً بابتعاد الفارين والمهجرين منها وتعطش الحاضنة الشعبية للقاء أقاربهم وذويهم الذين سيتمكنون من العودة عند الخلاص من هذه الأحزاب الانفصالية وطردهم. كل هذا ساهم في اضمحلال وفقدان الحاضنة الشعبية لها.

فما مدى تأثير الوقائع والحقائق السابقة على سير معركة نبع السلام وماذا يمكن أن نبني عليها من تحليلات واستنتاجات؟

بقراءة موضوعية واستنتاجات قائمة على الحقائق السابقة نستطيع القول:

إن معركة نبع السلام ستكون معركة سهلة من الناحية العسكرية رغم ما تمتلكه الأحزاب الانفصالية من سلاح متطور حصلت عليه من الولايات المتحدة الأمريكية. وما تمتلك من موارد اقتصادية وتجارب عسكرية سابقة ساهمت بتحصين مواقعها وتدشيمها وحفر انفاق محصنة ومموه تمويها جيداً.

وبالرغم من امتلاك الخبرة القتالية لعناصرهم فإن كل ما سبق لن يكون له الدور الفعال في سير معركة نبع السلام من حيث النتائج وإن كان له تأثير محدود من حيث المجريات اليومية لعدة أسباب:

* إن الاحزاب الانفصالية جندت عدداً كبيراً عناصر من العشائر العربية بالإكراه في صفوفها بشكل كتائب ومجموعات وهذا سيساهم بانحياز هذه الكتائب والمجموعات لجانب الجيش الوطني، خاصة وأن الاحزاب الانفصالية زجت بهذه الكتائب والمجموعات للخطوط الأولى كي يخففوا الخسائر بصفوف الأحزاب الانفصالية وهذا سيسرع بالانشقاق لما له من تأثير نفسي على العناصر عند إدراكهم لهذه الحقيقة.

* إن وجود عناصر من العشائر العربية بشكل إفرادي بصفوف الأحزاب الانفصالية سيزرع الشك بينهم تحسباً من (الخيانة كما توصف لديهم) وهذا سيجعلهم بحالة ريبة وحذر دائمين مما سيضعف التعاون بينهم.

* إن وجود الشريحة المؤيدة للجيش الوطني والاخوة الأتراك بتلك المنطقة سيسهل التواصل معهم بطرق مختلفة من خلال تواصل ابناء المنطقة مع ذويهم لجمع المعلومات التي تفيد بتحديد الأهداف بدقة وأماكن تواجد عناصر الاحزاب الانفصالية وخاصة الانفاق والتحصينات المموهة، وهذا سيلحق إصابات مباشرة بصفوفهم ويخفف من الاضرار التي قد تلحق بالمدنيين والبنية التحتية. وقد يساهم بمشاركة فاعلة من الأهالي بقنص عناصر الأحزاب ومنعهم من التحصن بمنازل المدنيين وهذا يشكل عاملاً مهماً بحرب المدن والبلدات المتوقع حدوثها.

* إن امتلاك الجيش التركي لأحدث الأسلحة والتقنيات بأجهزة الرصد والمتابعة الليليه والنهارية، وامتلاك الجيش التركي وتفعيل أنظمة الحرب الإلكترونية (كورال KORAL) على الحدود التركية-السورية سيؤدي لانقطاع الاتصالات والانترنيت وقطع الاتصال بين قوات PYD وPKK في منطقة العمليات العسكرية. ولما سيكون لاستخدام هذه التقنية من تأثير في سير المعارك باعتبار سلاح الإشارة في المعارك الحديثة يشكل العصب الأساس فيها. كل هذا سيسهل استهداف عناصر الاحزاب الانفصالية ويضعف صفوفها وتماسكها وتنسيقها.

* إن العمق المحدود للمنطقة المفترض تحريرها والتي تقع بعمق يقارب 30 كم فقط لا يهدد وجود الأحزاب الانفصالية بهذه المرحلة بشكل مصيري بل يهدف لدفعهم جنوباً فقط وبالتأكيد لن يكون له تأثيرا وجودي عليهم.

وهذا الجانب سيجعل الاحزاب الانفصالية وكوادرهم وعناصرهم أقل شراسة وتمسك بالأرض لارتباط المعركة بالمصالح الاقتصادية والمادية والنفوذ فقط ولا تتعداها لحالة البقاء والوجود، وهذا سيؤثر سلباً بالعقيدة القتالية لديهم وسيساهم بانسحابات سريعة من مناطق القتال حفاظاً على تماسك قوتهم ويسرع بنقل الاسلحة الفعالة لديهم والتجهيزات الحديثة التي يمتلكونها خوفاً من وقوعها بيد الجيش الوطني والاخوة الأتراك وخسارتهم لها.

من هنا ومن خلال هذه الحقائق والاستنتاجات نتوقع أن تكون المعركة قصيرة وسريعة وستكون بأقل تضحيات من الجيش الوطني وأدنى حد من الإضرار بالبنية التحتية وممتلكات المدنيين وتحقيق أعلى مستوى من حماية المدنيين وسلامة أرواحهم.

أخيراً إننا كسوريين وطنيين ثوريين لن نقبل ان تكون طموحاتنا محدودة عند أهداف معركة نبع السلام المرحلية بل نتمسك بأهداف ثورتنا وثوابتها التي خرجنا من أجلها وهي إسقاط النظام بكل أركانه وبناء دولة مدنية حرة موحدة. دولة المؤسسات والمجتمع المدني ولن تكتمل فرحتنا إلا بتحرير كامل تراب الوطن والإفراج عن المعتقلين وعودة المهجرين بأصقاع الارض لديارهم، ومحاكمة ومحاسبة مجرمي الحرب وملاحقتهم أمام المحاكم الوطنية والدولية.

من هنا نطالب الجيش الوطني ونشد على يديه ان يمضي قدماً لتحقيق اهدافنا ويأخذ دوره بفرض رؤيتنا السياسية والوطنية مستفيداً من ثقله العسكري لفرض تغيير حقيقي بالواجهة السياسية وتصويب مسارها بما يخدم المصلحة الوطنية وثوابتنا الثورية.

عاشت سورية دولة حرة موحدة والنصر والتمكين لثورتنا المباركة المظفرة

scroll to top