اللاجئة السورية.. وعملها في مهن ” ذكورية”

وردة الهويدي – مكتب المرأة

أحدث اللجوء تغيرات كبرى وجذرية في حياة اللاجئين السورين اجتماعياً ونفسياً وثقافياً وفكرياً، وطالت تلك التغيرات النساء بصورة أكبر وأوضح ولاسيما من الناحية الاقتصادية. ومن التغيرات الجذرية التي أحدثها اللجوء على النساء، كان تغيراً في مفهومهن عن ذواتهن، عن دورهن ووظائفهن والعمل الأنسب لهن والتي خصها بهن الموروث الثقافي في مجتمعاتهن الأم والمتجذر منذ مئات السنين. فالنظرة المجتمعية العامة لعمل المرأة، كانت تتمحور حول أن عمل المرأة الأمثل والأكثر جدوى هو في العناية بمنزلها وأطفالها وزوجها مهما بلغ تحصيلها العلمي. ولكن فرض اللجوء على النساء السوريات ممارسة مهن وأعمال ووظائف، تنظر إليها المجتمعات العربية والشرقية على أنها مهن ووظائف مختصة بالذكور فقط.

كسرت بعض النساء السوريات اللاجئات الصورة النمطية لوظيفة المرأة، وامتهنّ حِرف وأشغال في بلدان اللجوء لم يتوقعن يوماً ممارستها، وهي أعمال وصفت بالذكورية في المجتمعات الشرقية، مواجهات بذلك تحديات كبرى، وحتى اتهامات لهن بأنهن خرجن عن العرف والعادة، وتعاملت بعضهن مع مسألة الانقلاب الجذري في حياتهن العملية بكل الرضا، بل واعتبرنها تجربة وبداية جديدة، ملقياتٍ خلفهنّ كل ما قاله أو قد يقوله الآخرون عن امتهانهنّ لأعمال ذكورية وفق مجتمعاتهنّ الأم.

صفاء سكرية اللاجئة السورية في الأردن، شكلت مع خمس نساء سوريات أخريات مركزاً نسائيا بالكامل يقدم خدمات التمديدات الصحية للمنازل، في خطوة كسرت نظرة “العيب” بمجتمع محافظ، وهو جزء مما تمرّ به المرأة السورية التي باتت تلعب دور الأم والأب لإعالة أسرهن.

وهنالك “هالة ” (35عاماً)، لاجئة سورية من ريف دمشق في ألمانيا، أرملة ولديها طفلين، تعمل في ورشة صغيرة لتصنيع الإكسسوارات المنزلية (كمقابض الأبواب والشبابيك..)، وعن عملها تقول: ” كان زوجي يملك محلاً  لصنع الاكسسوارات المنزلية في الغوطة في سوريا، ولذلك فأنا لدي إلمام جيد بهذه المهنة. قررت العمل في ورشة الإكسسوارات تلك، متجاوزة كل نظرات الاستهزاء وكلمات السخرية التي نعتني بها العديد من السوريين اللاجئين في ألمانيا أو من معارفي وأهلي في سوريا. قالوا عني متمردة، لست متمردة، فقط أبحث عن رزقي ولا أرى عيباً في عملي مادام شريفاً ومادمت أتقنه “.

و”هالة” ليست الوحيدة، فهنالك نساء مارسن أعمال الحدادة والنجارة وقيادة الحافلات، وعملن في المولات والمصانع والمعامل.. في بلدان اللجوء خاصة الأوربية منها، وكل تلك الأعمال كان من المستبعد ومن المستغرب تماماً أن تمارسها النساء في سوريا لأنها كانت حكراً على الذكور.

ترى بعض النساء بأن اللجوء أجبرهن على ممارسة أعمال جعلت حياتهن قاسية صعبة، في حين تجد أخريات ولاسيما أولئك اللواتي لجأن إلى الدول الأوربية، بأن اللجوء قد مكنهن من استشعار قيمتهن خاصة في مجال العمل. فمثلاُ وعلى سبيل المقارنة، تقول ” أم ماهر” لاجئة حلبية في تركيا: ” أشعر بالذل والهوان بعد عملي كمستخدمة في إحدى المدارس التركية. كنت مدللة أعيش حياة كريمة في حلب، تصلني كل حوائج البيت دون أدنى حركة، أما الآن تقع علي أعباء تأمين كل مايحتاجه منزلي وأطفالي”. أما “نسرين” وهي حلبية أيضاً لجأت مع زوجها وأطفالها إلى ألمانيا منذ خمس سنوات، تنظر للجوء بطريقة مختلفة، فهو منحها الحرية في العمل وحولها إلى إنسانة مختلفة عما كانت عليه في سوريا، وتقول نسرين: ” اللجوء مكنني من تحقيق حلمي في مزاولة مهنة الطب، والتي منعني زوجي من امتهانها بعد تخرجي من كلية الطب “.

يظل اللجوء كارثة إنسانية أحدثها جور وظلم النظام الحاكم في سوريا، فلا يرغب أحد أن يصبح لاجئاً، لكنّ الواقع الحالي فرض على الآلاف من النساء السوريات اللاجئات، العمل في مجالات صعبة وقاسية عليهنّ جسدياً ونفسياً وحتى اجتماعياً .  ولكن المرأة السورية ثارت في سوريا ضد النظام جنباً إلى جنب مع الرجل، ثم قادت ثورة من نوع أخر في بلدان اللجوء، كان هدفها اسقاط صورة المرأة التقليدية، ورفع صورة أخرى لها للمرأة القادرة على المشاركة في بناء الأوطان وتغييرها نحو الأفضل.

 

 

scroll to top