السبب السابع – فساد مؤسسات الدولة والجيش

“هل ثورتنا لتشكيل لجنة دستورية؟ “

#”السبب السابع” من سلسلة الأسباب غير المباشرة للثورة السورية المباركة:

“السبب السابع – فساد مؤسسات الدولة والجيش “

بقلم العقيد الركن فاتح فهد حسون

صنفت منظمة الشفافية الدولية سورية في تقريرها السنوي لعام 2010م في المرتبة 127 عالميا من أصل 180دولة والمرتبة 15 عربيا، بتقدم مرتبة واحدة عن المرتبة 126 التي احتلتها في العام 2009م. مما يدل على أن الفساد في سورية وباء مزمن تغلغل في أحشاء معظم – إن لم يكن كل – مؤسسات ودوائر الدولة من الجمارك والشرطة وقطاعات رخص البناء والتهرب الضريبي وصولا إلى سلك القضاء، فقد بات المسؤولون في سورية  يستغلون مناصبهم العامة لتحقيق مصالحهم الشخصية ، فتلقوا الرشاوى، وتلاعبوا في إرساء المناقصات على من يعطي أكثر، واستخدموا وظائفهم لتهديد وابتزاز رجال الأعمال والتجار وأصحاب رؤوس الأموال، ومما ساعدهم على ذلك فساد القضاء المصاب بنفس العلل من رشاوي واستغلال للمنصب وهيمنة الأجهزة الأمنية على السلك القضائي برمته، وكذلك فساد الشرطة بمجملها، حتى أصبحت أي مشكلة تحل لصالح من يدفع أكثر بدءا من تحقيق الشرطة وانتهاء بقرار القاضي.

ولا عجب في ذلك كون الهيئات الرقابية المنبثقة عن مجلس الشعب والبلديات وغيرها وصلت إلى مناصبها عن طريق تزوير الانتخابات على كافة المستويات، بدءا من انتخاب البلديات ومرورا بانتخاب مجلس الشعب وليس انتهاء بانتخابات رئاسة الجمهورية، وهذه الهيئات ومثيلاتها من يصدر عنها القوانين التي تقيد المواطن البسيط الذي تنال منه السلطة لعدم قدرته المالية ، فحددت له قوانين البناء، وقوانين الزراعة، وقوانين التوظيف، وقوانين الخدمات، وكلها تسعى للتضييق عليه وإلهائه بقوت يومه، كي لا يفكر بالسياسة، ويقترب منها، فالوظائف شبه معدومة، وإن وجدت فالأولوية للعلويين وباقي الطوائف من غير السنة إلا من ثبتت موثوقيته لديهم، ورواتب الموظفين لا تتناسب مع احتياجاتهم، مما يساهم في تطبيق سياسة التجويع المتعمدة.

 واكب كل ذلك سياسة إعلامية وثقافية مبتذلة ومقيتة, تفرعن بشار, وتعظم نظامه الجائر, وتزين للشعب أعماله, وتنشر الرذيلة والفجور في المجتمع، ومثال ذلك إنتاج وعرض بعض الحلقات من أحد المسلسلات التي أحدثت ضجة في المجتمع السوري اسمه “ما ملكت أيمانكم “، وذلك قبل انطلاق الثورة بحوالي العام، حيث أن المسلسل يسخر من الله ودينه ، ويفيض بالاستهزاء من المتدينين، مما جعل المشايخ على المنابر تطالب بتوقيف عرضه، وتدعوا على من أنتجه وأخرجه وساهم بإنجازه، وقد كان سببا في سخط كثير من السوريين على النظام ومؤسساته، واتهامها بمحاربة الدين، ونشر الفساد والرذيلة.

أما الجيش السوري في عهد بشار الأسد، فبالرغم من كونه جيش طائفي منذ عهد الهالك والده، إلا أنه أصبح إضافة لذلك أكثر ترهلا وفسادا، فمنذ انقلاب عام 1970م لم تعد مهمة الجيش محصورة في الدفاع عن الوطن، بل أصبح جيشا حزبيا مهمته الأساسية الحفاظ على أمن النظام، فتحول من جيش وطني إلى جيش طائفي، لا يتجاوز عدد الضباط السنة فيه 15%، والضباط من باقي الأديان والطوائف لا يتجاوز 10%، مقابل 75% من الضباط العلويين. وأما المراكز القيادية فهي من نصيب الطائفة العلوية، ومن يتقلد من السنة منصبا يصبح مقيدا ومراقبا بلا قرار أو صلاحيات. وما أوصل الجيش إلى هذا هو عزوف أهل السنة عن إرسال أبنائهم إلى الكليات العسكرية والمطالبة بذلك، حيث قام حافظ الأسد – وتابع على نهجه ابنه بشار- بالترويج لفكرة أن الجيش قومي وعروبي ومنتمي إلى عقيدة حزب البعث الشعبية المحاربة لكل مظاهر الرأسمالية والبرجوازية، وعلى رأسهم العائلات الميسورة من أهل السنة، وبالتالي بدأت الكثير من العائلات السنية توجه أبناءها نحو التجارة والأعمال المهنية بعيدا عن الخدمة العسكرية والسلك العسكري، غير ملتفتة إلى أن هذا سيجعل الضباط العلويين يسيطرون على كافة مواطن القوة في الدولة من جيش وشرطة وأمن ، وكان والدي رحمه الله ممن التفت إلى ذلك، فبالرغم من انتمائنا لعائلة كبيرة ميسورة الحال من حي الخالدية العريق، مستهجن أن يكون أحد أفرادها ضابطا، أصر أن أتطوع في الكليات العسكرية ولا ألتحق بأخوي في دراستهم الجامعية في أمريكا، وطلب مني ومن زملائي الالتحاق بالكليات العسكرية قائلا لنا: لمن تتركون البلد ؟ لكن تم رفض طلب كل من تقدم من زملائي للكليات العسكرية “وأنا منهم قبل أن تتوسط لي شخصية نافذة لاحقا”  بذريعة انتمائنا لطبقة لا تتناسب مع حزب البعث العربي الاشتراكي (وفق ما قرأته بنفسي في تقرير الأمن السياسي حينها).

وبهذه الذرائع وغيرها، صادرت كثير من قيادات الجيش أراض زراعية حكومية وحولوها إلى مزارع خاصة لهم، وأقاموا بها المشاريع والأبنية، وسخروا المجندين للعمل بها، ثم شيئا فشيئا سيطر هؤلاء القادة المجرمون على الجيش ومقدراته، فاستبعدوا الضباط الملتزمين دينيا “إلا من أخفى التزامه”، ونهبوا مستحقات المجندين، وتقاضوا الرشاوى مقابل منحهم الإجازات، وأصبحت الروح المعنوية لدى المجندين منهارة، ومن يتطوع في الجيش ثم عرفه على حقيقته أصبح يريد الخلاص منه بأية وسيلة، مثل المجند الذي يحلم بذلك. وهذا ما كشفه مؤشر مكافحة الفساد في قطاع الدفاع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي صدر في 2015م مبينا تصدر الجيش السوري سلم الفساد في المنطقة، وأن كبار الأفراد داخل مؤسسات الدفاع والاستخبارات السورية ممن لهم علاقة وثيقة بالنخبة الحاكمة عادة ما يكون لهم مصالح مالية راسخة في الموارد الطبيعية للبلاد.

وليس من أدل على فساد هذا الجيش من بطشه وجوره للشعب السوري الأعزل الثائر، وتحوله من حارس للحدود “ولو نظريا” إلى حارس وشريك لعصابة آل الأسد التي تنتهج القتل والتدمير والتهجير والسلب طريقا ومسلكا ومنهجا للحفاظ على مكاسبها ومصالحها.

اترك تعليقاً

scroll to top