“السبب الخامس” من سلسلة الأسباب غير المباشرة للثورة السورية المباركة:” السير على خطى الأب وطمس الهوية السورية “

 

بقلم العقيد الركن فاتح فهد حسون

لقد حاول بشار الأسد إدخال إصلاحات على نظام الحكم بعد هلاك أبيه، وليس إحداث تغيير شامل، واعتبر أن نهج والده خط أحمر لا يمكن تجاوزه، وأن رؤيته مازالت تشكل نبراسا يهتدي نظامه بنوره، حيث أن “الوفاء والالتزام بإرث والده كان مصدر الشرعية لحكمه” كما قال باتريك سل، وقد حرص على تقديم نفسه بأنه سيقود سورية إلى القرن الحادي والعشرين، وبأنه متفاني وقريب إلى الناس، ومثقف ومفكر ويعرف ما يريد. وأصبح يحاول التقرب من الإسلاميين، فقبلَ هلاك والده سعى بإطلاق سراح الآلاف من “الإخوان المسلمين” الذين كانوا معتقلين في السجون السورية منذ الثمانينيات، وخلال الشهور الأولى من حكمه أطلق سراح المئات من حزب التحرير الإسلامي الذين اعتقلوا أواخر عام 1999م، وسمح للملاحقين خارج سوريا بالعودة وتسوية أمورهم مع الجهات القضائية. لقد كان بشار الأسد يحاول أن يوحي بتلك الأعمال أنه خارج سياسة الحرس القديم الذي ورثه عن أبيه، وسرعان ما وضع سياسة واضحة سارت على إثرها كل الأجهزة الأمنية وحققت أهدافها الاستبدادية، حيث أعلن بوضوح بدء المعركة ضد الأوساط الإصلاحية بعد أن سمح بظهورها بداية حكمه، ففي مقابلة لصحيفة الشرق الأوسط السعودية في شباط 2001م قال: “إن هؤلاء المفكرين يَخلطون بين المجتمع المدني وبين مؤسسات المجتمع المدني، ويبدو أن هناك أشخاص يعتقدون أن فترة الاحتلال أو الانقلابات في الخمسينيات أفضل من فترة الاستقرار التي بدأت في 1963م، والتي تحولت إلى حقيقة مطلقة في عام 1970م”، وبهذا عاد النظام لاعتقال المفكرين والشخصيات العامة الذين وقفوا على رأس المعسكر الإصلاحي، وأنهى ما سُمي “بربيع دمشق”، ليتابع النظام سياسته الاستبدادية في كل مفاصل الدولة، وبنفسٍ طائفي لم يختلف عن مرحلة الأب.

وبالفعل كانت سياسة بشار كأنها سياسة والده، فغاب المشروع المشترك ما بين نظامه والشعب، فكبتت الحريات ، وكممت الأفواه، وبَقي الخوف في قلوب المواطنين، وغربت الهوية السورية بالممارسات العلمانية المتطرفة، وسهل التشييع في الأوساط السنية والعلوية على حد سواء، واستمر فرض حالة الطوارئ التي تنتهك حقوق وخصائص المواطن، وتجعله عرضة للاعتقال من أي سلطة في النظام، ووقفت هذه السلطة مع المشروع الفارسي الإيراني المعادي للعروبة التي تربى عليها الشعب السوري مما زاد الهُوة بين النظام والمواطن، وأصبح شعار المقاومة كذبة صارخة لعنوان “حماية أمن إسرائيل”، بل بقيت سياسة الخنوع أمام إسرائيل عنوانا ظاهرا، فقد قامت إسرائيل بتدمير موقع لإنتاج الوقود الذري في دير الزور، وحلق طيرانها فوق القصر الرئاسي في اللاذقية، ودمر معسكرات “عين الصاحب”، ولم يطلق رصاصة واحدة ضد إسرائيل، حيث تعتبر جبهة الجولان أهدأ الجبهات المحيطة بإسرائيل على الإطلاق، وكمثال على ذلك:

 في عام 2010م زرت بمرافقة زملائي الضباط -أثناء اتباعنا لدورة قيادة وأركان في الأكاديمية العسكرية العليا- خط الجبهة في الجولان المحتل ضمن الزيارات الرسمية المقررة في الأكاديمية، وأثناء الزيارة تأخرت مع الشهيد المقدم الركن معن يوسف- الذي انشق عن النظام، واستلم رئيس فرع عمليات جبهة حمص في الجيش الحر، واستشهد لاحقا-عن الصعود بالحافلات لمدة لا تزيد عن ثلاث دقائق بسبب نقاشنا حول خطوط الدفاع، مما أدى إلى طلبنا من قبل قيادة الأكاديمية والتحقيق معنا رسميا، ولولا تدخل العميد الركن  أسعد الزعبي- الذي انشق وأصبح لاحقا رئيس وفد المفاوضات سابقا- لكان مصيري مع زميلي التحويل إلى أفرع الأمن ثم الفصل من الدورة، حيث كانت القيادة العسكرية للنظام تعتبر هذه الجبهة منطقة محرم فيها تنفيذ أي استطلاع لغير المكلفين خوفا من مشاريع خفية قد تكون لدى من يقوم بذلك “كدراسة وضع جهاز أو عتاد أو غيرها”، مما قد يسبب حرجا مع الإسرائيليين الذين يراقبون كل تحركاتنا، ويضر بأمن إسرائيل، وقد علمنا لاحقا أن هناك ضباط فصلوا من الأكاديمية لنفس السبب بعد تحقيقات أمنية عديدة أُجريت معهم.

لقد كانت سياسة بشار الداخلية شعارها “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد” فلم يختلف عن فرعون مصر إلا بأحلاسه، فبعد أن أغلق المنتديات لعدم قبوله أي نقد ، جرد بعض أعضاء مجلس الشعب من الحصانة وطاردهم واعتقل عددا منهم، لأنهم انتقدوا بعض سياساته، واتهمهم بأنهم يعرقلون عملية التنمية الشاملة في المجالات كافة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ففي الشهر السابع عام 2001م تم اعتقال رئيس الائتلاف السابق رياض سيف غداة ندوة عقدها في بيته وتحدث بها د. برهان غليون عن مستقبل التغيير في سوريا، طالب فيها بشار بأن يتولى وضع برنامج للإصلاح والتغيير، وكذلك تم اعتقال النائب مأمون الحمصي في آب 2001م من مكتبه بعد أن أجرى مقابلة مع قناة البي بي سي قال فيها بأن السلطات بدأت تمارس نوعا جديدا من الاضطهاد على الأعضاء المستقلين في البرلمان السوري، كما اعتقل سياسيين علويين ومسيحيين وأكراد ودروز وإسماعيليين، لمجرد نقدهم فعلا أو قولا أو توجها لمسؤولي النظام أو الحزب أو العائلة الحاكمة ومنهم الأستاذ ميشيل كيلو الذي اعتقل عام 2006م، وبهذا سمح لأجهزته الأمنية بتجاوز الخطوط الحمر للاعتقال الفكري والسياسي، ومنع الرأي الآخر مهما كان الاتجاه الفكري لصاحب الرأي ، إسلاميا كان أم شيوعيا أم بعثيا أم مسيحيا. وأعطى أمرا لوزير التربية علي أسعد من الطائفة “المرشدية” لمحاربة التوجهات الإسلامية في الوزارة، فألغى الوزير المدارس الشرعية، وأصدر قرارا بإلغاء عقود المدرسات المنقبات كي لا تؤثرن على الأجيال الناشئة “وفق زعمه “، ومن أصرت منهن على حقها بإلزام الدولة بها تم تحويلها إلى وزارات أخرى لتفرز إلى مؤسسات التبغ وبيع الدخان إذلالا لها، ومن تريد العودة فعليها أن تخلع النقاب.

كما أن الوزير سعد طالب بتأليف كتاب تربية دينية لكل طائفة، وتم ذلك بالتنسيق مع وزير الأوقاف “محمد عبد الستار السيد” القريب من إيران، حيث كذلك أصدر أمرا بإغلاق المدارس الشرعية الإعدادية، وبدعم المؤسسات التعليمية الشيعية، ومنحهم عشر ثانويات شرعية تتبع للأوقاف، وتعترف بها وزارة التربية، وهي حوزات حولها إلى ثانويات شرعية، وتُخرج حاليا طلابا بعضهم يعمل في الإرشاد الديني على جبهات القتال بين صفوف الميليشيات الشيعية. وكلفت الأجهزة الأمنية الشيعي عبد الله نظام الذي يعرف بقربه الشديد من السفارة الإيرانية، بتنقية مناهج الثانويات الشرعية السنية من الأمور التي لا يرضى عنها الشيعة.

وقد صدر بيان عن علماء سورية عام 2007م – اعتقل العديد منهم على إثره -، يقول: “إن الحوزات الشيعية ماضية في تجاهل هذا التعميم مصرة على عدم الاستجابة له، ومدارس الشويفات تضيف إلى منهاج المرحلة الأساسية ما تشاء من الزيادات في الساعات والمقررات، والمدارس التبشيرية الأجنبية ماضية في مناهجها الخاصة بها وأساليبها التربوية دون أي معارضة ولا إشكال، ترى ماهي الحكمة من أن ينزل هذا البلاء برأس المعاهد والثانويات الشرعية وحدها؟ وأن تمضي هذه الخطة في التطبيق على التربية الدينية عموما، ومناهج التعليم الشرعي خصوصا حتى الاختناق؟ وماذا لو فهمنا الخفايا واستشهدنا بما يعرفه بعض موظفي وزارة التربية من رسم خطة تآمرية مقصودة للإطاحة بدين هذه الأمة وثقافتها الإسلامية وتراثها الشرعي؟!”

حين انفجرت الثورة المباركة في وجه نظام بشار الأسد خرج طلاب المدارس الشرعية ومنتسبوها ليتظاهروا من المساجد، وبرزت منذ الأسابيع الأولى مواقف أساتذتهم الكبار أمثال الشيخ كريم راجح والشيخين سارية وأسامة الرفاعي وسواهم، وحين ودعوا أثناء الثورة شيخهم الجليل عبد الرزاق الحلبي في الرابع من شباط2012م تحولت جنازته إلى مظاهرة كبرى تؤجج مشاعرهم؛ هذا غيض من فيض سير بشار على خطى أبيه، ومحاولاته الفاشلة في طمس الهوية السورية.

 

اترك تعليقاً

scroll to top